في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية التي يشهدها العــالم، يناقش مجلس الشيوخ المصري خلال جلسته العــامة المنعقدة بــرئاسة المستشار عبدالوهاب عبدالرازق، التقرير العــام للجنة الشؤون المالية والاقتصادية والاستثمار بشأن مشروع قانون اعتماد خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعــام المالي 2025/2026، والتأشيرات العــامة المرافقة لها. وتأتي هذه الخطة في وقت حساس تمر فيه مصر والمنطقة والعــالم بتقلبات اقتصادية ومالية حادة فرضتها أزمات عــالمية متعــاقبة مثل التضخــم وارتفاع أسعــار السلع والطاقة، والاضطرابات الجيوسياسية المتتالية.
خطة في زمن الأزمات
لم تُعد الحكومة المصرية خطتها السنوية بمـعزل عن الواقع، بل جاء في تقريرها الرسمي إقرار واضح بأن خطة التنمية 2025/2026 وُضعت وسط ظروف عــالمية غير مستقرة ودرجة مرتفعة من عدم اليقين. وعلى الرغم من تلـك التحديات، عبّرت الحكومة عن ثقتها بوجود مؤشرات إيجابية تبعث على التفاؤل وتفتح آفاقًا لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
واستهدفت الخطة عدة محاور مركزية من أبــرزها: زيادة الإنفاق على تنمية الإنسان المصري، توسيع بــرامج الحماية الاجتماعية، تحسين كفاءة الإنفاق الاستثماري، دعم القطاع الخاص، ومواصلة الإصلاحات الهيكلية. هذه المحاور تعكس توجها نحو بناء اقتصاد قوي يرتكز على الإنسان كعنصر محوري، ويمنح القطاع الخاص دورًا أكبــر في عملية التنمية.
توصيات استراتيجية من البــرلمان
أرفقت لجنة الشؤون المالية والاقتصادية تقريرها بخــمس عشرة توصية وُضعت بعناية لتكون خريطة طريق للحكومة في تنفيذ الخطة بشكل واقعي وفعّال. وشددت اللجنة على ضرورة الالتزام بهذه التوصيات لتحقيق نتائج ملموسة وتحقيق آمال المواطنين في التنمية والاستقرار، خاصة في ظل تفاقم الضغوط الاجتماعية والاقتصادية.
1. دعم المشروعــات الصغيرة والمتوسطة
أولت اللجنة اهتمامًا بالغًا بالمشروعــات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، لما لها من تأثير مباشر على خلق فرص العمل وتحقيق التنمية المستدامة. وأوصت بتضافر الجهود لتوسيع التسهيلات الائتمانية لهذه المشروعــات، بهدف تمكينها من النمو والمساهمة بفعــالية في الناتج المحلي الإجمالي.
2. تحسين مناخ الاستثمار
على الرغم من التحسن النسبي في التصنيف الائتماني لمصر، دعت اللجنة الحكومة إلى اتخاذ المزيد من الخطوات التشريعية والتنظيمية لتحسين بيئة الاستثمار، خاصة في ظل المنافسة العــالمية المحتدمة على جذب رؤوس الأموال.
3. تسويق عــالمي لفرص الاستثمار
أوصت اللجنة بتنظيم حملات تسويقية عــالمية لتعريف المستثمرين الدوليين بمزايا الاستثمار في مصر، من خلال المشاركة الفعــالة في المـعــارض الدولية، خاصة المتخصصة في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.
4. تفعيل قوانين الاستثمار الحالية
دعت اللجنة إلى تفعيل نصُــوص قانون الاستثمار الحالي بالشكل الأمثل، لجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، خصُــوصًا في ظل ما يشهده العــالم من تقلبات تجعل من الاستقرار السياسي والاقتصادي عــامل جذب أساسي.
5. تقييم سنوي للخطة الاستثمارية
طالبت اللجنة بتقييم نتائج الخطة الاستثمارية بشكل سنوي وتعديلها حسب المتغيرات، مـع ضرورة قياس الأثر الحقيقي للاستثمارات على القطاعــات الإنتاجية، من زراعة وصناعة ونقل وسياحة، إلى جانب رصد الآثار البيئية.
تنمية صناعية وزراعية شاملة
تضمنت التوصيات أهمية دعم الاستراتيجية الوطنية لتنمية الصناعة، والعمل على توطين الصناعــات المحلية ودعم المنتج الوطني لخفض الفجوة الدولارية. كما شددت اللجنة على ضرورة وضع خطة محددة للتصنيع الزراعي بما يرفع القيمة المضافة للمنتجات الزراعية، مـع الترويج لها في الأسواق العــالمية. هذا التوجه الصناعي والزراعي يعكس رغبة الدولة في تنويع مصادر الدخل الوطني وتخفيف الاعتماد على الواردات.
التمكين الاقتصادي وبناء قدرات الشباب
في ما يخص الشباب وسوق العمل، دعت اللجنة إلى تطوير بــرامج التوظيف، وتعزيز ريادة الأعمال، ومضاعفة عدد ملتقيات التوظيف، إلى جانب تطوير المنصات الرقمية المـعنية بالتأهيل المهني. كما أوصت بإدراج مؤشرات أداء لقياس الأثر الحقيقي لتلـك البــرامج، ضمانًا لتحقيق نتائج فعــالة ومستدامة.
الصادرات والاستثمار في الأسواق العــالمية
وضع مجلس الشيوخ نصب عينيه هدفًا طموحًا وهو الوصُــول إلى 100 مليار دولار صادرات سنويًا، وأوصى بإعداد خطة واضحة لدعم الصادرات تشمل تقديم حوافز ضريبية ومساعدات مالية للمصدرين، بالإضافة إلى تقديم قروض ميسرة لصناعــات تصديرية متطورة، خاصة تلـك التي تستخــدم تكنولوجيا حديثة.
كما دعت اللجنة إلى تفعيل دور مكاتب التمثيل التجاري المصري بالخارج من خلال تقديم دعم مـعلوماتي وترويجي مباشر للمصدرين، بهدف اقتحام أسواق جديدة وتحسين صُــورة المنتج المصري في الخارج.
القطاع المالي والعقاري
أوصت اللجنة بضرورة تعزيز الثقافة التأمينية وتشجيع المواطنين والشركات على استخــدام منتجات التأمين المختلفة، بما يساهم في زيادة مـعدلات الادخار واستغلالها في تمويل الاستثمارات. أما في ما يتعلق بسوق العقارات، فقد طالبت الحكومة بتيسير الإجراءات المتعلقة بتفعيل دور صناديق الاستثمار العقاري، وتقديم إعفاءات ضريبية تساهم في ضخ استثمارات جديدة بهذا القطاع الحيوي.
تحسين الإجراءات الجمركية
طالبت اللجنة بتحسين الإجراءات الجمركية وتبسيطها لتسريع عملية الإفراج عن البضائع وتحسين أداء القطاعين الاستيرادي والتصديري، لما لذلـك من أثر مباشر على تقليل التكاليف وتحفيز التجارة.
تحذيرات وتطلعــات
اختتمت اللجنة تقريرها بتأكيد أهمية استمرار التحوط والحذر من تبعــات الأزمات المتلاحقة التي لا تزال تلقي بظلالها على الاقتصاد والمجتمـع. وأشارت إلى أن قدرة الدولة على التخطيط والتعــامل مـع هذه الأزمات تؤكد مرونتها المؤسسية واستعدادها للمستقبل. وشددت على أن مشاركة القطاع الخاص إلى جانب الدولة في تنفيذ خطط التنمية، يُعد من أهم الآليات لتحقيق الاستقرار والنمو.
خاتمة: طريق طويل ولـكن واعد
ما عُرض في تقرير مجلس الشيوخ حول خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لعــام 2025/2026، يؤكد وجود إرادة سياسية واقتصادية للتغيير وتحقيق نتائج ملموسة. الخطة لا تقتصر على الإنفاق أو المشروعــات الـكبــرى، بل تتناول الإنسان المصري في صميمها، وتفتح المجال أمام الشباب والمستثمرين والمنتجين ليكونوا شركاء في البناء.
وفي ظل أزمات عــالمية متشابكة، تبقى مصر أمام اختبار حقيقي لقدرتها على تجاوز الأزمات، ليس فقط بالصمود، بل بالتحرك الذكي، والتخطيط المستدام، والعمل المشترك بين الدولة والمجتمـع. إنها فرصة تاريخية لوضع الأسس لاقتصاد وطني قوي، ومجتمـع قادر على مواجهة المستقبل بثقة واستعداد.