في خطوة لافتة صاحبت أعمال القمة العربية الرابعة والثلاثين التي انعقدت في العــاصمة العراقية بغداد، غادر أمير دولة قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، القمة قبل إلقاء كلمته الرسمية، مكتفيًا بحضور الجلسة الافتتاحية ولقاء جمـعه مـع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني. مغادرة الأمير، التي وُصفت من قبل الجانب العراقي بأنها تمت بناءً على "اتفاق مسبق نظراً لالتزامات أخرى"، أثارت تساؤلات في الأوساط السياسية والإعلامية حول خلفياتها وتوقيتها، خاصة في ظل الظروف الإقليمية المـعقدة التي تمر بها المنطقة.
مشاركة مقتضبة ورسالة واضحة
رغم أن الأمير لم يُدلِ بكلمة رسمية من على منبــر القمة، إلا أن حضوره الشخصي لترؤس الوفد القطري وحضوره الجلسة الافتتاحية عُدّ مؤشراً على اهتمام الدوحة بالقضايا المطروحة على جدول الأعمال. وقد أكد الشيخ تميم عبــر تدوينة له على منصة "إكس" أن القمة تنعقد في ظرف إقليمي ودولي حساس يتطلب تعــاونًا عربيًا ودوليًا أوسع، مـعرباً عن أمله في أن تساهم مخرجاتها في ترسيخ التضامن وتعزيز التكامل بين الدول العربية.
وقال الأمير في رسالته:
"اجتمـعنا اليوم في بغداد، في القمة العربية الـ34، والتي انعقدت في ظروف إقليمية ودولية تستوجب تعــاونا عربيا ودوليا لحل أزماتها. نأمل أن تنعكس مخرجات القمة في تعزيز تضامننا العربي وترسيخ التكامل بين بلداننا في كافة مجالات التعــاون القائم، شاكرين لجمهورية العراق الشقيقة جهودها في توطيد أواصر الأخوة ودورها الفاعل في تدعيم العمل العربي المشترك."
الجانب العراقي: لا خلاف، بل التزام
وفي محاولة لتوضيح الموقف واحتواء التأويلات، صرّح فادي الشمري، مستشار رئيس الوزراء العراقي، بأن مغادرة أمير قطر تمت بالتنسيق المسبق، نظراً لجدول أعمال مزدحم يفرض على الأمير التزامات أخرى. وأضاف الشمري أن الشيخ تميم "قام بما عليه"، وأن الوفد القطري ظلّ مشاركاً في مجريات القمة حتى النهاية، وهو ما يعكس حرص الدوحة على البقاء منخرطة في المداولات والقرارات.
قمة في قلب التوترات العربية
القمة التي انعقدت تحت شعــار "حوار وتضامن وتنمية"، لم تكن قمة عــادية، بل جاءت وسط أزمات متلاحقة تمر بها المنطقة العربية، من أبــرزها العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة، والتطورات في سوريا والسودان. وعبّر البيان الختامي عن مواقف واضحة من هذه الملفات، حيث رحب بقرار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب رفع العقوبات المفروضة على سوريا، وأدان بشدة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية. كما دعت القمة إلى ضرورة تكثيف الجهود لوقف الحرب في غزة، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية للمدنيين.
ما وراء الصيغة الرسمية؟
ورغم تأكيد الجانبين القطري والعراقي أن مغادرة الأمير كانت مرتبة سلفاً، فإن بعض المراقبين يربطون اختصار المشاركة القطرية باحتمالات تتعلق بحساسيات بــروتوكولية أو تباينات في بعض المواقف. في مثل هذه الفعــاليات، لا تخلو التفاصيل التنظيمية من دلالات، وقد تُقرأ أحيانًا كإشارات دبلوماسية ضمنية. غير أن الأمير حرص على الحفاظ على نبــرة إيجابية في خطابه الموجز، مقدّماً بذلـك موقفًا متوازنًا بين التعبير عن الانشغال والحرص على العمل المشترك.
مغادرة أمير قطر المبكرة للقمة العربية في بغداد لم تحجب حضور الدوحة السياسي، الذي ظل قائمًا عبــر وفدها الرسمي ورسائل الأمير، وإن بصيغة مختلفة عن المـعتاد. وبينما أكدت العراق أن ما حدث لا يعدو كونه التزامًا مسبقًا، فإن الواقعة تسلط الضوء مجددًا على أهمية الإعداد والتنسيق الدقيق في القمم العربية، خاصة في أوقات حساسة تتطلب وحدة الصف وتفادي أي رسائل متباينة، حتى ولو كانت غير مقصُــودة.