التَّقْوَى إخوةَ الإيمانِ كلمةٌ خفيفةٌ على اللسانِ ولكِنَّها ثَقيلَةٌ في الميزانِ، التَّقْوَى هيَ لُزومُ طاعةِ اللهِ، التقوى مدارُهَا على أمْرَيْنِ عظيمَيْنِ أداءِ الواجباتِ واجْتِنابِ المحرَّماتِ، ومن طاعَةِ اللهِ أنْ تَلْتَزِمَ بما جاءَ عَنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في السُّنَّةِ المطَهَّرَةِ في الحديثِ الشريفِ بالنسبةِ لِثُبوتِ شَهْرِ الصّيامِ رمضانَ، فَبِنَصّ حديثِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَرَفْنا كيفَ يكونُ إثباتُ صيامِ رمضانَ كما عَرَفْنا متى يكونُ انْتِهاؤُهُ حيثُ قالَ صلواتُ ربي وسلامُهُ عليهِ « صوموا لِرُؤْيَتِهِ وأَفْطِروا لِرُؤْيَتِهِ فإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبانَ ثلاثينَ يَومًا » رواه البخاري.
تكون بداية شهر رمضان 2017 – 1438 إن شاء الله تعالى حسب رؤية الهلال إما السبت 27 أو الأحد 28 ماي 2017. مراقبة الهلال تكون يوم الجمعة 26 ماي / 29 شعبان ليلا بعد الغروب. أعاده الله علينا وعليكم بالخير واليمن والبركات.
ورَوَى البُخارِيُّ ومسلمٌ وغَيرُهُمَا عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: « الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشرونَ ليلَةً فلا تَصوموا حتَّى تَرَوْهُ فإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلاثينَ ».
الأشهر القهرية هي محرم، صفر، ربيع الأوّل، ربيع الثّاني، جمادى الأولى، جمادى الثّاني، رجب، شعبان، رمضان، شوّال، ذو القعدة، ذو الحجة وكلّها تسعة وعشرون أو ثلاثون يوما ويثبت ذلك بمراقبة الهلال. ترائي الأهلة فرض كفاية. وتثبت الرّؤية بشهادة عَدْلَين، إلاّ في إثبات شهر رمضان، فعَدلٌ واحد يكفي.
ورَوَى البُخاريُّ وغيرُهُ عَنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ: « لا تَقَدَّمُوا رمضانَ بِيَوْم أوْ يَوْمَيْنِ صومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأفْطِروا لِرُؤْيَتِهِ فإنْ غُمَّ عليكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبانَ ثَلاثينَ ». فبَعْدَ هذا البيانِ مِنَ السُّنَّةِ المطهَّرَةِ لا يجوزُ اعتمادُ قولِ فَلَكِيّ في إثباتِ رمضانَ فَكُلٌّ مِنَ الشُّهورِ العَرَبِيَّةِ يُعْرَفُ بَدْؤُهُ ويُعْرَفُ انْتِهاؤُهُ بِمُراقَبَةِ الهلالِ، والمسْلمونَ سَلَفُهُمْ وخَلَفُهُمْ على هذا ثابِتونَ. وقَدْ نَصَّ الفُقَهاءُ على أنَّهُ لا يجوزُ اعتمادُ قولِ فلكيّ في إثباتِ هِلالِ رَمَضانَ ولذا فلا بُدَّ في ليلةِ الثلاثينَ مِنْ شعبانَ أنْ يُراقَبَ هلالُ رمضانَ (وهذا فرض كفاية) ؛ فإنْ بانَ الهلال يكون اليوم التالي أولَ أيام شهر رمضان، وإن لم تثبت رؤية الهلال فإن اليوم التالي يكون يوم الثلاثين من شعبان.
وقدِ اتَّفَقَ علماءُ المذاهبِ الأربعةِ على أنَّ الأصْلَ في تحديدِ أوَّلِ رمضانَ أن يُراقَبَ الهلالُ بعدَ غروبِ شمسِ التاسعِ والعشرينَ مِنْ شعبانَ فإنْ رُؤِيَ الهلالُ كانَ اليومُ التالي له أوّلَ رمضانَ، وإنْ لم يُرَ الهِلالُ يكونُ اليومُ التالي له الثلاثينَ مِنْ شعبانَ والذي بَعْدَهُ هوَ أوّل أيّامِ رمضانَ، فالعُمْدَةُ هي على هذا ولا الْتِفاتَ إلى أقوالِ أهلِ الحسابِ والفَلَكِيّينَ ولا عِبْرَةَ بِكَلامِهِمْ لِتَحديدِ ابْتداءِ الصّيامِ أوِ انْتِهائِهِ.
نَعَم ـ عبادَ الله ـ العبرةُ بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بقول الفلكيين والداعين إلى ترك نهج المصطفى القويم. قالَ الحافِظُ وليُّ الدينِ العراقيُّ المتوفَّى سَنَةَ 826هـ: إنَّ جمهورَ أصحابِ الشافعيّ على ذلكَ وإنَّ الحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بالرؤيةِ دونَ غيرِها قالَ : وبِهِ قالَ مالكٌ وأبو حنيفةَ والشافعيُّ وجمهورُ العلماءِ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ. ا.هـ.
وقالَ ابنُ عابدينَ المتوفَّى سنَةَ 1252هـ في حاشِيَتِهِ على الدُّرّ المختار، وهيَ مِنْ أشهَرِ كُتُبِ السادَةِ الحنفيَّةِ: « قوْلُهُ لا عِبْرَةَ بِقَوْلِ المُوَقّتينَ أيْ في وجوبِ الصومِ على الناسِ » وقالَ: « لا يُعْتَبَرُ قولهُمْ بالإجماعِ ولا يجوزُ للمنجّمِ أنْ يعملَ بحسابِ نَفْسِهِ ».
قال الشيخ ميّارة المالكي (1072 هـ) في كتابه الدُّرُّ الثّمين : « قال الشهاب القرافي عن سند : لو كان الإمام يرى الحساب في الهلال فأثبت به لم يتبع لإجماع السلف على خلافه ».
وإذا رأى مسلمٌ عدْلٌ ثقةٌ هلالَ رمضانَ في أيّ بقعةٍ منْ بقاعِ الدّنْيا جازَ لنا أنْ نصومَ في مذهبِ الإمامِ أبي حنيفةَ النعمانِ بناءً على رؤْيَتِهِ. لذلكَ ينبغي التَيَقُّنُ مِنْ رؤيةِ الهلالِ قبلَ النومِ أما مَنِ اسْتَيْقَظَ صبيحةَ رمضانَ ووَجَدَ المسلمينَ صائمينَ وهُوَ لم يَنْوِ الليلةَ الماضِيةَ، لم يُبَيّتِ النيّةَ، ما ثبتَ له الصيامُ، فلا بدَّ إذًا مِنَ الاهتمامِ برؤيةِ هلالِ رمضانَ، والاعتمادُ في ذلكَ كما هوَ مُقَرَّرٌ عندَ الفقهاءِ سلفًا وخلفًا يكونُ على قَوْلِ ثِقَةٍ، أما الاعتمادُ على الفَلَكِ في تحديدِ أوائلِ الشهورِ العربيةِ فتلكَ مخالَفَةٌ واضحةٌ وصريحةٌ ِلما جاءَ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم. فنصيحَتُنَا لِكُلّ مسلمٍ أنْ يتمسَّكَ بما قالَهُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وبما قالَهُ فقهاءُ المذاهبِ الأربعةِ الذينَ أجْمَعَتِ الأمّةُ على عُلُوّ شَأْنِهِمٍ، وأنْ يَدْرُسَ أحكامَ الصيامِ قبلَ دخولِ شهرِ رمضانَ على يَدَيْ إنسانٍ متعلمٍ جَمَعَ بينَ المعرفَةِ والعدالَةِ وتلقَّى هذا العِلْمَ عنْ مِثْلِهِ وهكذا بإسنادٍ مُتَّصِلٍ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. اللهمَّ عَلّمْنا ما يَنْفَعُنَا وانْفَعْنَا بِما عَلَّمْتَنَا وأعِنَّا على الصيامِ والقيامِ وصلةِ الأرحامِ يا ربَّ العالمينَ يا اللهُ. هذا وأسْتَغْفِرُ الله لي ولَكُم.
الخطبةُ الثانيةُ: إنَّ الحَمدَ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونستهديهِ ونشكرُهُ ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنَا ومِن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ ومن يُضلِل فلا هاديَ له، والصلاةُ والسلامُ على سيّدِنا محمّدِ ابنِ عبدِ اللهِ وعلى ءالِهِ وصحبِهِ ومنْ والاهُ.
أمّا بَعْدُ عبادَ اللهِ، فإني أوصيكُم ونَفْسي بِتَقْوى اللهِ العَلِيّ العظيمِ القائِلِ في مُحْكَمِ كتابِهِ: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ . فلا شكَّ إخوةَ الإيمانِ في أنَّه لا يستَوِي الجاهلُ والعالِمُ، لا يستَوي الملْتَزِمُ بشرعِ اللهِ، الملتزمُ بحضورِ مجالسِ عِلْمِ الدّينِ والجاهلُ المتَّبِعُ للهَوَى ولِلْفَتَاوَى الباطِلَةِ التي ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ. لِذَلِكَ أحببْنَا أنْ نُبَيّنَ لكمْ في خُطْبَتِنَا اليومَ مسائلَ وفوائدَ عديدةً منْها: أنه لا أصلَ لِحَديثِ: « خمسٌ يُفَطِّرْنَ الصائِمَ النظرةُ المحرمةُ والكَذِبُ والغيبةُ والنميمةُ والقُبْلَةُ » وهوَ حديثٌ مَكذوبٌ على النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، ولا أصلَ لِما يعتقِدُهُ بعضُ الناسِ أنَّ الصومَ لا يُقْبَلُ ولا يَصِحُّ إلا إذا دُفِعَتْ زكاةُ الفِطْرِ، ولا أصلَ لِما يَفْعَلُهُ كثيرٌ منَ الصائمينَ إذْ يُفْطِرونَ على صوتِ الراديو أو التلفزيون أوْ على أصواتِ مؤَذّنينَ مِنْ غيْرِ أنْ يَتَيَقَّنوا مِنْ دُخولِ الوقتِ، فهذا غيرُ جائزٍ شرعًا، فلا بُدَّ للصَّائِمِ أنْ يَعْرِفَ دخولَ الوقتِ بالطُّرُقِ الشرعيةِ المُعْتَبَرَةِ التي قرَّرَهَا الشَّرعُ.
ولا أصلَ لِما يقالُ إنَّ الجنابةَ تُؤَثّرُ على الصَّومِ والصَّحيح أنَّهُ لو صَامَ رمضانَ كلَّّهُ وهو جنب فصيامُهُ صحيحٌ ولكنه ارْتَكَبَ الكبائِرَ بسببِ تركِهِ الصَّلاةَ. والدليلُ أنَّ الجنابَةَ لا تُؤَثّرُ في صحة الصيام ما رواهُ البُخارِيُّ عنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: « كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُدْرِكُهُ الفجْرُ وهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ ثمَّ يَغْتَسِلُ ويَصومُ ». ولا أصْلَ لِما يُقالُ « إنَّ شَمَّ الوردِ أوِ العِطْرِ يُفَطّر ُ». والصحيحُ أنَّهُ لا يُفَطّرُ، وكذلكَ المصلُ والإبرةُ بالعَضَلِ أوْ بالعِرْقِ لا تُفَطّرُ لأنَّ الدواءَ دخلَ إلى الجوفِ مِنْ مَنْفَذٍ غيرِ مَفْتوح. ولا شَكَّ أنَّ هناكَ الكثيرَ مِنَ المسائِلِ والفوائِدِ المتَعَلّقَةِ بالصيامِ والصَّلاةِ والزكاةِ فنحنُ بإذْنِ اللهِ سَنُدرسُ في شهرِ رمضانَ المباركَ يوميًا القدرَ الواجبَ مِنْ علمِ الدينِ، فَرَتبْ وقتَكَ وبَرنامَجَكَ أخي المؤمِنَ على أنْ تكونَ بإذنِ اللهِ مِمَّنْ يَحْضُرُ يَوميًا لتَتَعَلَّمَ ما أوجَبَ اللهُ عليكَ مِن عِلْمِ الدّينِ، فرَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقولُ: « طَلَبُ العِلْمِ فَريضَةٌ على كلّ مُسْلِمٍ ».