بيوم من الأيام كان هناك رجلا طيبا يخاف الله في كل أفعــاله، كان راعيا للأغنام يعمل لدى أحد الأغنياء، كان يتمم واجبه على أكمل وجه مما حبب فيه صاحب الأموال؛ وبيوم من الأيام قرر الرجل الغني صاحب الأغنام أن يبيعها كلها ويسافر منتقلا للعيش في بلد آخر، حزن صاحبنا كثيرا على فقد عمله مصدر دخله الوحيد، واعترافا بالجميل للراعي البسيط قرر الرجل الغني أن يعطيه مكافأة مجزية غير أنه لم يقبل منها سوى الخــمسة دراهم أجره اليومي الذي اعتاد عليه وعلى أخذه مقابل عمله وجده، اندهش الرجل الغني من تصرفه ولـكنه وافقه على رغبته، كان يرى الرجل أن بقية المال الذي عرضه عليه الرجل الغني لا يحق له؛ أخذ الراعي الخــمسة دراهم وانصرف، لم يصرفهم الراعي وأخذ يبحث كثيرا عن عمل ولـكنه لم يوفق.
كان ببلدته رجلا تاجرا كبيرا يسافر إلى البلاد البعيدة، كان الناس بالبلدة يعطونه الأموال ويطلبون مقابلهم سلعــا وبضائع متنوعة، بحيث عندما يسافر يحضرها لهم مـعه، فذهب الراعي البسيط إلى ذلـك التاجر بعدما انصرف كل الناس من عنده وحان موعد سفره، فأعطاه الخــمسة دراهم واستحلفه بالله أن يحضر له بهم أي شيء بقيمتهم، في البداية رفض التاجر أن يأخذهم لقلة قيمتهم وأنه يتعــامل مـع تجار كبار لا يبيعون شيئا بقيمة الخــمسة دراهم ولـكنه لما رأى إصرارا في عيني الراعي البسيط أبى أن يكسر بخاطره وأخذ منه نقوده لعله يجد له شيئا.
وعندما وصل التاجر إلى وجهته وابتاع للناس مطالبهم لم يتبق مـعه سوى الخــمسة دراهم الخاصة بالراعي البسيط، بحث كثيرا في كل الأسواق ولـكنه لم يجد إلا قطا سمينا يبيعه صاحبه للتخلص منه إذ أنه يأكل الـكثير من الطعــام، فأخذه للراعي بقيمة خــمسة دراهمه؛ وأثناء عودة التاجر نزل ببلدة بعيدة نائية أول ما رءوا القط مـعه طلبوا منه شراؤه بأي مبلغ يريد ولو كان بوزنه ذهبا، اندهش التاجر من أمرهم، فأخبــروه بأن لديهم فئرانا بأعداد كثيفة قد أفسدت عليهم محاصيلهم وأنهم يبغون قطا ولا يجدونه منذ زمن بعيد، ولما أيقن التاجر صدق حديثهم باعهم القط بوزنه ذهبا خالصا.
وعــاد التاجر إلى بلدته حاملا البضائع للناس، وبعدما أنهى توزيعها لأصحابها جاءه الراعي البسيط ليسأله عن الذي أحضره له، فما كان من التاجر إلا أن أخذه بعيدا عن الناس واستحلفه بالله ليحكي له عن قصة الخــمسة دراهم، وعندما قص عليه الراعي ما حدث مـعه مـع الرجل الغني مالـك الأغنام، وأنه لم يرض إلا بالخــمسة دراهم مقابل عمله ورفض بقية الأموال المـعطاة إليه، رد عليه التاجر قائلا: “إنه المال الحلال”، وأعطاه الذهب الخالص الذي بوزن القط الذي اشتراه بخــمسة دراهمه بعدما أخبــره عن حال أهل البلدة كيفية إصرارهم على شرائه بأي ثمن وبأي وسيلة ممكنة.
ثانيا/ قصة في غاية الروعة:
كانت هناك في قديم الزمان امرأة اعتادت أن تصنع الخبز الطازج كل يوم وأن تضع رغيفا على نافذة دارها لأي جائع، فكان هناك رجلا مسكينا يأخذه يوميا ولا يقول في كل مرة إلا جملة واحدة: “الشر الذي تقدمه يبقى مـعك والخير الذي تقدمه يعود إليك”.
ومن كثرة تكراره لهذه الجملة كل يوم لعبت النفس الأمارة بالسوء دورها مـع المرأة وأخبــرتها بأن ذلـك الرجل المسكين بدلا من إظهار بعض الامتنان لمـعروفكِ إليه يقول جملته اليومية، وباليوم التالي قامت المرأة بوضع السم بالرغيف الذي ستضعه على النافذة ولـكنها بآخر لحظة رجعت إلى ربها وتابت من ذنبها وألقت بــرغيف الخبز المسموم بالنار وصنعت للرجل المسكين غيره.
كان لتلـك المرأة ابنا شابا سافر للبحث عن عمل من شدة الضيق ولـكنه كانت أخباره منقطعة عن والدته من أعوام مضت، وبذلـك اليوم دق بابها وعندما فتحته وجدت صغيرها واقفا أمامه بثياب ممزقة وقد علا وجهه ملامح التعب الشديد، أخذته في أحضانها والدموع تذرفها بحرارة عينيها، مسح بيديه دموع والدته وأخبــرها بأن تحمد خالقها الذي بعث إليه بــرجل طيب القلب أعطاه رغيفا ليأكله بعدما أخبــره أنه رجل مسكين لا يقوى على العمل وأن ذلـك الرغيف هو قوت يومه إذ تصنعه له امرأة طيبة القلب كل يوم وتضعه له على نافذة منزلها، هنا علمت المرأة مـعنى جملة الرجل المسكين: ” الشر الذي تقدمه يبقى مـعك والخير الذي تقدمه يعود إليك”، وأنها لو لم تلقِ بالرغيف المسموم بالنار لـكان أكله صغيرها (اصنع الخير حتى لو لم تجازى عليه ممن صنعته له)، قال تعــالى في كتابه العزيز: “ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ” صدق الله العظيم.